نخبة من الأكاديميين

881

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

القرنين السادس عشر والسابع عشر ، حيث عاد إلى الظهور في " التأملات الماورائية " لديكارت . أما في الشرق ، فقد طور نصير الدين الطوسي هذا النقاش بأن أخرج إلى السطح البنية الرياضية المخبأة ، أو بالأحرى ، الكامنة ، عند ابن سينا نفسه . ويتبع هذا التعميق العبقري من قبل الطوسي مسارين بحسب ما إذا كان الطرح متعلقاً بالجانب الأعلى أو الأسفل لكوزمولوجيا ابن سينا النمطية . ففي ما يخص الجانب الأعلى ، يقترح الطوسي حساباً فعلياً - يستند إلى قواعد تركيبية ظهرت لأول مرة بهذه المناسبة - للمستويات المنقطعة من الفيض ( أي قبل الوصول إلى عالم البعد المتصل والحركة ) . أما بالنسبة للجانب الأسفل ، فيأخذ الطوسي أدواته من نظرية المكان عند ابن الهيثم . وتقول هذه النظرية بتصور للعالم على أنه جميع العلاقات المكانية والزمانية بين نقاط فضاء معين . أما تاريخ العالم فهوتاريخ تغيرات هذه العلاقات . ويمكن أن نبني فوق هذه الأبعاد ، وهي ذاتها أبعاد مجردة لكنها تنتمي إلى مجال الوجود ، تلك الأبعاد التي تنتمي إلى المجال المثالي لشيئية العالم : " ونقول : العلم بالجزئيات - أعني بالمشخصات الزمانية والمكانية - فقد يكون على وجه كلي عقلي ، وقد يكون على وجه جزئي ، حسي أو خيالي . والأول يكون على طريق الإحاطة على جميع الزمان ، من الأزل إلى الأبد ، بما فيه من الأجزاء المفروضة ، وجميع المفروضات المقارنة لزمانِ وزمانٍ ، وجميع النسب الواقعة بينهما في التقدم والتأخر ، ومقادير تقدم كل واحد على كل واحد مما يكون بعده ، وتأخره عما يكون قبله على ما هو عليه في الوجود ، بجميع الأمكنة السارية في الجهات ، وما تحيلها تلك الأمكنة من الممكنات ، وجميع أوضاعها بنسبة البعض إلى البعض من جهة من جهاته ، فالفوق والتحت والقدام والخلف واليمين واليسار ، وما يتركب منها وعلى كيفية الإشارات الحسية من كل واحد إلى كل واحد ، ومقادير الامتدادات بينها على ما هو عليه بالوجود ، وإنما سمي كلياً لأن ذلك إذا عقل مع جميع هذه الأوصاف ، غير مقيد بأنها العلم بالموجودات الزمانية والمكانية التي في عالمنا هذا ، يعني أن ذلك التعقل تعقل كليات طبيعية ، وإنما يصير جزؤه باقترانها بتقييدها بأنها صورة هذا العالم ؛ وكليته عقليته باقترانها تجويز مطابقتها لصور عوالم غير هذا العالم ، هي أمثال هذا العالم " . إن الطوسي هو الكاتب الأول الذي ربط ، قبل أربعة قرون على ليبنتز ، في إطار كوزمولوجيا نمطية ، بين نظرية في المكان بما هو علاقة بين نقاط ، وبين تحليل العناصر المختلفة التي تتكون منها مجموعة معينة ( combinatoire ) , وبهذا المعنى ، يكون قد سبق الأفكار التي جاء بها سابقو ليبنتز المباشرون ، أي الآباء اليسوعيون في الكوليجيو رومانو الذين وضعوا كوزمولوجيا نمطية بهدف الرد خصوصاً على المأزق الذي أثارته مسألة معرفة الله للحوادث المستقبلية . هل كان للطوسي تأثير مباشر على ليبنتز ؟ ذلك مستبعد تقريباً . غير أنه من الممكن جداً أن نبين أن هذين الفيلسوفين الرياضيين قد فسرا بالطريقة نفسها مجموعة من النصوص الفلسفية التي تحمل الطابع السينوي . فإذا كان الشيء حقيقة